فصل: تفسير الآيات رقم (238- 239)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير البغوي المسمى بـ «معالم التنزيل» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏224- 225‏]‏

‏{‏وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏224‏)‏ لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ‏(‏225‏)‏‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمَانِكُمْ‏}‏ نزلت في عبد الله بن رواحة، كان بينه وبين ختنه على أخته بشير بن النعمان الأنصاري شيء، فحلف عبد الله أن لا يدخل عليه ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين خصمه، وإذا قيل له فيه قال‏:‏ قد حلفت بالله أن لا أفعل، فلا يحل لي إلا أن تبر بيميني، فأنزل الله هذه الآية‏.‏

وقال ابن جريج‏:‏ نزلت في أبي بكر الصديق حين حلف أن لا ينفق على مسطح حين خاض في حديث الإفك، والعرضة‏:‏ أصلها الشدة والقوة ومنه قيل للدابة التي تتخذ للسفر عرضة، لقوتها عليه، ثم قيل لكل ما يصلح لشيء هو عرضة له حتى قالوا للمرأة هي عرضة النكاح إذا صلحت له والعرضة كل ما يعترض فيمنع عن الشيء ومعنى الآية ‏{‏لا تجعلوا‏}‏ الحلف بالله سببا مانعا لكم من البر والتقوى يدعى أحدكم إلى صلة رحم أو بر فيقول حلفت بالله أن لا أفعله، فيعتل بيمينه في ترك البر ‏{‏أَنْ تَبَرُّوا‏}‏ معناه أن لا تبروا كقوله تعالى ‏"‏يبين الله لكم أن تضلوا‏"‏ ‏(‏176- النساء‏)‏ أي لئلا تضلوا ‏{‏وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏}‏‏.‏

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏من حلف بيمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير‏"‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ‏}‏ اللغو كل مطرح من الكلام لا يعتد به، واختلف أهل العلم في اللغو في اليمين المذكورة في الآية فقال قوم هو ما يسبق إلى اللسان على عجلة لصلة الكلام، من غير عقد وقصد، كقول القائل‏:‏ لا والله وبلى والله وكلا والله‏.‏

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت‏:‏ لغو اليمين قول الإنسان لا والله وبلى والله، ورفعه بعضهم وإلى هذا ذهب الشعبي وعكرمة وبه قال الشافعي‏.‏

ويروى عن عائشة‏:‏ أيمان اللغو ما كانت في الهزل والمراء والخصومة والحديث الذي لا يعقد عليه القلب، وقال قوم‏:‏ هو أن يحلف عن شيء يرى أنه صادق فيه ثم يتبين له خلاف ذلك وهو قول الحسن والزهري وإبراهيم النخعي وقتادة ومكحول، وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه، وقالوا لا كفارة فيه ولا إثم عليه، وقال علي‏:‏ هو اليمين على الغضب، وبه قال طاووس وقال سعيد بن جبير‏:‏ هو اليمين في المعصية لا يؤاخذه الله بالحنث فيها، بل يحنث ويكفر‏.‏ وقال مسروق‏:‏ ليس عليه كفارة أيكفر خطوات الشيطان‏؟‏ وقال الشعبي في الرجل يحلف على المعصية كفارته أن يتوب منها وكل يمين لا يحل لك أن تفي بها فليس فيها كفارة ولو أمرته بالكفارة لأمرته أن يتم على قوله وقال زيد بن أسلم‏:‏ هو دعاء الرجل على نفسه تقول لإنسان أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا وكذا أخرجني الله من مالي إن لم آتك غدا، ويقول‏:‏ هو كافر إن فعل كذا‏.‏ فهذا كله لغو لا يؤاخذه الله به ولو آخذهم به لعجل لهم العقوبة ‏"‏ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم‏"‏ ‏(‏11- يونس‏)‏، وقال ‏"‏ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير‏"‏ ‏(‏11- الإسراء‏)‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ‏}‏ أي عزمتم وقصدتم إلى اليمين، وكسب القلب العقد والنية ‏{‏وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏ واعلم أن اليمين لا تنعقد إلا بالله أو باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته‏:‏ فاليمين بالله أن يقول‏:‏ والذي أعبده، والذي أصلي له، والذي نفسي بيده، ونحو ذلك، واليمين بأسمائه كقوله والله والرحمن ونحوه، واليمين بصفاته كقوله‏:‏ وعزة الله وعظمة الله وجلال الله وقدرة الله ونحوها، فإذا حلف بشيء منها على أمر في المستقبل فحنث يجب عليه الكفارة وإذا حلف على أمر ماض أنه كان ولم يكن أو على أنه لم يكن وقد كان، إن كان عالما به حالة ما حلف فهو اليمين الغموس، وهو من الكبائر، وتجب فيه الكفارة عند بعض أهل العلم، عالما كان أو جاهلا وبه قال الشافعي، ولا تجب عند بعضهم وهو قول أصحاب الرأي وقالوا إن كان عالما فهو كبيرة ولا كفارة لها كما في سائر الكبائر وإن كان جاهلا فهو يمين اللغو عندهم ومن حلف بغير الله مثل أن قال‏:‏ والكعبة وبيت الله ونبي الله، أو حلف بأبيه ونحو ذلك، فلا يكون يمينا، فلا تجب عليه الكفارة إذا حلف، وهو يمين مكروهة، قال الشافعي‏:‏ وأخشى أن يكون معصية‏.‏

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب وهو يحلف بأبيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت‏"‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏226- 228‏]‏

‏{‏لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏226‏)‏ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏227‏)‏ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏228‏)‏‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ‏}‏ يؤلون أي يحلفون، والألية‏:‏ اليمين والمراد من الآية‏:‏ اليمين على ترك وطء المرأة، قال قتادة‏:‏ كان الإيلاء طلاقا لأهل الجاهلية، وقال سعيد بن المسيب‏:‏ كان ذلك من ضرار أهل الجاهلية، كان الرجل لا يحب امرأته ولا يريد أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها أبدا، فيتركها لا أيما ولا ذات بعل، وكانوا عليه في ابتداء الإسلام، فضرب الله له أجلا في الإسلام، واختلف أهل العلم فيه‏:‏ فذهب أكثرهم إلى أنه إن حلف أن لا يقرب زوجته أبدا أو سمى مدة أكثر من أربعة أشهر، يكون موليا، فلا يتعرض له قبل مضي أربعة أشهر، وبعد مضيها يوقف ويؤمر بالفيء أو بالطلاق بعد مطالبة المرأة، والفيء هو الرجوع عما قاله بالوطء، إن قدر عليه، وإن لم يقدر فبالقول، فإن لم يفء ولم يطلق طلق عليه السلطان واحدة، وذهب إلى الوقوف بعد مضي المدة عمر وعثمان وعلي وأبو الدرداء وابن عمر، قال سليمان بن يسار‏:‏ أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يقول بوقف المولي‏.‏ وإليه ذهب سعيد بن جبير وسليمان بن يسار ومجاهد، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وقال بعض أهل العلم‏:‏ إذا مضت أربعة أشهر تقع عليها طلقة بائنة، وهو قول ابن عباس وابن مسعود وبه قال سفيان الثوري وأصحاب الرأي‏.‏

وقال سعيد بن المسيب والزهري‏:‏ تقع طلقة رجعية، ولو حلف أن لا يطأها أقل من أربعة أشهر لا يكون موليا، بل هو حالف، فإذا وطئها قبل مضي تلك المدة تجب عليه كفارة اليمين، ولو حلف أن لا يطأها أربعة أشهر لا يكون موليا عند من يقول بالوقف بعد مضي المدة، لأن بقاء المدة شرط للوقف وثبوت المطالبة بالفيء أو الطلاق، وقد مضت المدة‏.‏ وعند من لا يقول بالوقف يكون موليا، ويقع الطلاق بمضي المدة‏.‏

ومدة الإيلاء‏:‏ أربعة أشهر في حق الحر والعبد جميعا عند الشافعي رحمه الله، لأنها ضربت لمعنى يرجع إلى الطبع، وهو قلة صبر المرأة عن الزوج، فيستوي فيه الحر والعبد كمدة العنة‏.‏

وعند مالك رحمه الله وأبي حنيفة رحمه الله تتنصف مدة العنة بالرق، غير أن عند أبي حنيفة تتنصف برق المرأة، وعند مالك برق الزوج، كما قالا في الطلاق‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ‏}‏ أي انتظار أربعة أشهر، والتربص‏:‏ التثبت والتوقف ‏{‏فَإِنْ فَاءُوا‏}‏ رجعوا عن اليمين بالوطء ‏{‏فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏ وإذا وطئ خرج عن الإيلاء وتجب عليه كفارة اليمين عند أكثر أهل العلم، وقال الحسن وإبراهيم النخعي وقتادة‏:‏ لا كفارة عليه لأن الله تعالى وعد بالمغفرة فقال ‏{‏فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏ وذلك عند الأكثرين في إسقاط العقوبة لا في الكفارة، ولو قال لزوجته‏:‏ إن قربتك فعبدي حر أو صرت طالقا، أو لله علي عتق رقبة أو صوم أو صلاة فهو مول لأن المولي من يلزمه أمر بالوطء، ويوقف بعد مضي المدة فإن فاء يقع الطلاق أو العتق المعلق به، وإن التزم في الذمة تلزمه كفارة اليمين في قول، وفي قول يلزمه ما التزم في ذمته من الإعتاق والصلاة والصوم

‏{‏وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ‏}‏ أي حققوه بالإيقاع ‏{‏فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ‏}‏ ‏{‏عَلِيمٌ‏}‏ بنياتهم، وفيه دليل على أنها لا تطلق بعد مضي المدة ما لم يطلقها زوجها، لأنه شرط فيه العزم، وقال‏:‏ ‏{‏فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏}‏ فدل على أنه يقتضي مسموعا والقول هو الذي يسمع‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالْمُطَلَّقَات‏}‏ أي المخليات من حبال أزواجهن ‏{‏يَتَرَبَّصْنَ‏}‏ ينتظرن ‏{‏بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ‏}‏ فلا يتزوجن، والقروء‏:‏ جمع قرء، مثل فرع، وجمعه القليل أقرؤ والجمع الكثير أقراء، واختلف أهل

العلم في القروء فذهب جماعة إلى أنها الحيض وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وبه قال الحسن ومجاهد وإليه ذهب الأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة ‏"‏دعي الصلاة أيام أقرائك‏"‏ وإنما تدع المرأة الصلاة أيام حيضها‏.‏ وذهب جماعة إلى أنها الأطهار وهو قول زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وعائشة، وهو قول الفقهاء السبعة والزهري وبه قال ربيعة ومالك والشافعي، واحتجوا بأن ابن عمر رضي الله عنه لما طلق امرأته وهي حائض قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر‏:‏ ‏"‏مره فليراجعها حتى تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء‏"‏‏.‏

فأخبر أن زمان العدة هو الطهر، ومن جهة اللغة قول الشاعر‏:‏

ففي كل عام أنت جاشم غزوة *** تشد لأقصاها عزيم عزائكا

مورثة مالا وفي الحي رفعة *** لما ضاع فيها من قروء نسائكا

وأراد به أنه كان يخرج إلى الغزو ولم يغش نساءه فتضيع أقراؤهن وإنما تضيع بالسفر زمان الطهر لا زمان الحيضة، وفائدة الخلاف تظهر في أن المعتدة إذا شرعت في الحيضة الثالثة تنقضي عدتها على قول من يجعلها أطهارا وتحسب بقية الطهر الذي وقع فيه الطلاق قرءا، قالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ إذا طعنت المطلقة في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرئ منها‏.‏ ومن ذهب إلى أن الأقراء هي الحيض يقول لا تنقضي عدتها ما لم تطهر من الحيضة الثالثة، وهذا الاختلاف من حيث أن اسم القرء يقع على الطهر والحيض جميعا، يقال أقرأت المرأة‏:‏ إذا حاضت وأقرأت‏:‏ إذا طهرت، فهي مقرئ، واختلفوا في أصله فقال أبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة‏:‏ هو الوقت لمجيء الشيء وذهابه، يقال‏:‏ رجع فلان لقرئه ولقارئه أي لوقته الذي يرجع فيه وهذا قارئ الرياح أي وقت هبوبها، قال مالك بن الحارث الهذلي‏:‏

كرهت العقر عقر بني شليل *** إذا هبت لقارئها الرياح

أي لوقتها، والقرء يصلح للوجهين، لأن الحيض يأتي لوقت، والطهر مثله، وقيل‏:‏ هو من القرأ وهو الحبس والجمع، تقول العرب‏:‏ ما قرأت الناقة سلا قط أي لم تضم رحمها على ولد ومنه قريت الماء في المقراة وهي الحوض أي جمعته، بترك همزها، فالقرء هاهنا احتباس الدم واجتماعه، فعلى هذا يكون الترجيح فيه للطهر لأنه يحبس الدم ويجمعه، والحيض يرخيه ويرسله، وجملة الحكم في العدد‏:‏ أن المرأة إذا كانت حاملا فعدتها بوضع الحمل، سواء وقعت الفرقة بينها وبين الزوج بالطلاق أو بالموت لقوله تعالى ‏"‏وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن‏"‏ ‏(‏4- الطلاق‏)‏ فإن لم تكن حاملا نظر‏:‏ إن وقعت الفرقة بينهما بموت الزوج فعليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر، سواء مات الزوج قبل الدخول أو بعده، وسواء كانت المرأة ممن تحيض، أو لا تحيض لقول الله تعالى‏:‏ ‏"‏والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا‏"‏ ‏(‏234- البقرة‏)‏ وإن وقعت الفرقة بينهما في الحياة نظر فإن كان الطلاق قبل الدخول بها، فلا عدة عليها، لقول الله تعالى‏:‏ ‏"‏يا أيها آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها‏"‏ ‏(‏49- الأحزاب‏)‏‏.‏

وإن كان بعد الدخول نظر‏:‏ إن كانت المرأة ممن لم تحض قط أو بلغت في الكبر سن الآيسات فعدتها ثلاثة أشهر لقول الله تعالى‏:‏ ‏"‏واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن‏"‏ ‏(‏4- الطلاق‏)‏‏.‏

وإن كانت ممن تحيض فعدتها ثلاثة أقراء لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء‏}‏ وقوله ‏{‏يتربصن بأنفسهن‏}‏ لفظه خبر ومعناه أمر، وعدة الأمة إن كانت حاملا بوضع الحمل كالحرة، وإن كانت حائلا ففي الوفاة عدتها شهران وخمس ليال، وفي الطلاق، إن كانت ممن تحيض فعدتها قرءان، وإن كانت ممن لا تحيض فشهر ونصف‏:‏ وقيل شهران كالقرأين في حق من تحيض‏.‏ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ ينكح العبد امرأتين ويطلق طلقتين وتعتد الأمة بحيضتين، فإن لم تكن تحيض فشهرين أو شهرا ونصفا‏.‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ‏}‏ قال عكرمة‏:‏ يعني الحيض وهو أن يريد الرجل مراجعتها فتقول‏:‏ قد حضت الثالثة وقال ابن عباس وقتادة‏:‏ يعني الحمل، ومعنى الآية‏:‏ لا يحل للمرأة كتمان ما خلق الله في رحمها من الحيض والحمل لتبطل حق الزوج من الرجعة والولد ‏{‏إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ‏}‏ معناه أن هذا من فعل المؤمنات وإن كانت المؤمنة والكافرة في هذا الحكم سواء كما تقول، أد حقي إن كنت مؤمنا، يعني أداء الحقوق من فعل المؤمنين‏.‏

‏{‏وَبُعُولَتُهُن‏}‏ يعني أزواجهن جمع بعل، كالفحولة جمع فحل، سمي الزوج بعلا لقيامه بأمور زوجته وأصل البعل السيد والمالك ‏{‏أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ‏}‏ أولى برجعتهن إليهم ‏{‏فِي ذَلِكَ‏}‏ أي إن أرادوا بالرجعة الصلاح وحسن العشرة لا الإضرار كما كانوا يفعلونه في الجاهلية كان الرجل يطلق أمرأته فإذا قرب انقضاء عدتها، راجعها ثم تركها مدة، ثم طلقها ثم إذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم بعد مدة طلقها يقصد بذلك تطويل العدة عليها ‏{‏وَلَهُن‏}‏ أي للنساء على الأزواج مثل

الذي عليهن للأزواج بالمعروف قال ابن عباس في معناه‏:‏ إني أحب أن أتزين لامرأتي كما تحب امرأتي أن تتزين لي لأن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ‏}‏‏.‏

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسن المروزي أخبرنا أبو سهل محمد بن عمر بن طرفة السجزي أنا أبو سليمان الخطابي أخبرنا أبو بكر بن داسة أنا أبو داود السجستاني أنا موسى بن إسماعيل أنا حماد أنا أبو قزعة سويد بن حجير الباهلي عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه قال‏:‏ قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏أن تطعمها إذا طعمت، وأن تكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت‏"‏

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي أنا محمد بن عيسى الجلودي أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا أبو بكر بن أبي شيبة أنا حاتم بن إسماعيل المدني عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه قال‏:‏ دخلنا على جابر بن عبد الله فقلت‏:‏ أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسرد قصة حجة الوداع إلى أن ذكر خطبته يوم عرفة قال‏:‏ ‏"‏فاتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده‏:‏ كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون‏؟‏ قالوا‏:‏ نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد اللهم اشهد‏"‏ ثلاث مرات‏.‏

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أحمد بن الحسن الحيري أنا حاجب بن أحمد الطوسي، أنا محمد بن يحيى أنا يعلى بن عبيد أنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائكم‏"‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ بما ساق إليها من المهر وأنفق عليها من المال، وقال قتادة‏:‏ بالجهاد، وقيل بالعقل، وقيل بالشهادة، وقيل بالميراث، وقيل بالدية وقيل بالطلاق، لأن الطلاق بيد الرجال، وقيل بالرجعة، وقال سفيان وزيد بن أسلم‏:‏ بالإمارة وقال القتيبي وللرجال عليهن درجة معناه فضيلة في الحق ‏{‏وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏}‏‏.‏

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار أخبرنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي أنا حذيفة أنا سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان أن معاذ بن جبل خرج في غزاة بعثه النبي صلى الله عليه وسلم فيها ثم رجع فرأى رجالا يسجد بعضهم لبعض فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها‏"‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏229- 230‏]‏

‏{‏الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ‏(‏229‏)‏ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ‏(‏230‏)‏‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الطَّلاقُ مَرَّتَانِ‏}‏ روي عن عروة بن الزبير قال‏:‏ كان الناس في الابتداء يطلقون من غير حصر ولا عدد، وكان الرجل يطلق امرأته، فإذا قاربت انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها كذلك ثم راجعها يقصد مضارتها فنزلت هذه الآية ‏{‏الطَّلاقُ مَرَّتَانِ‏}‏ يعني الطلاق الذي يملك الرجعة عقيبه مرتان، فإذا طلق ثلاثا فلا تحل له إلا بعد نكاح زوج آخر‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ‏}‏ قيل‏:‏ أراد بالإمساك الرجعة بعد الثانية، والصحيح أن المراد منه‏:‏ الإمساك بعد الرجعة، يعني إذا راجعها بعد الرجعة الثانية فعليه أن يمسكها بالمعروف، والمعروف كل ما يعرف في الشرع، من أداء حقوق النكاح وحسن الصحبة ‏{‏أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ‏}‏ أن يتركها بعد الطلاق حتى تنقضي عدتها وقيل الطلقة الثالثة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ‏}‏ وصريح اللفظ الذي يقع به الطلاق من غير نية ثلاثة‏:‏ الطلاق والفراق والسراح، وعند أبي حنيفة الصريح هو لفظ الطلاق فحسب، وجملة الحكم فيه أن الحر إذا طلق زوجته طلقة أو طلقتين بعد الدخول بها يجوز له مراجعتها بغير رضاها ما دامت في العدة، وإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها، أو طلقها قبل الدخول بها أو خالعها فلا تحل له إلا بنكاح جديد بإذنها، وإذن وليها فإن طلقها ثلاثا فلا تحل له، ما لم تنكح زوجا غيره، وأما العبد إذا كانت تحته امرأة، فطلقها طلقتين، فإنها لا تحل له إلا بعد نكاح زوج آخر‏.‏

واختلف أهل العلم فيما إذا كان أحد الزوجين رقيقا، فذهب أكثرهم إلى أنه يعتبر عدد الطلاق بالزوج، فالحر يملك على زوجته الأمة ثلاث طلقات، والعبد لا يملك على زوجته الحرة إلا طلقتين، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه‏:‏ الطلاق بالرجال والعدة بالنساء، يعني يعتبر في عدد الطلاق حال الرجل وفي قدر العدة حال المرأة، وهو قول عثمان وزيد بن ثابت وابن عباس رضي الله عنهم، وبه قال عطاء وسعيد بن المسيب وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وذهب قوم إلى أن الاعتبار بالمرأة في عدد الطلاق فيملك العبد على زوجته الحرة ثلاث طلقات ولا يملك الحر على زوجته الأمة إلا طلقتين وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي‏.‏

قوله تعالى ‏{‏وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ‏}‏ أعطيتموهن ‏{‏شَيْئًا‏}‏ المهور وغيرها ثم استثنى الخلع فقال ‏{‏إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ‏}‏ نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي أوفى ويقال‏:‏ حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه وهو يحبها فكان بينهما كلام فأتت أباها فشكت إليه زوجها وقالت له‏:‏ إنه يسيء إلي ويضربني فقال‏:‏ ارجعي إلى زوجك فإني أكره للمرأة أن لا تزال رافعة يديها تشكو زوجها قال‏:‏ فرجعت إليه الثانية وبها أثر الضرب فقال لها‏:‏ ارجعي إلى زوجك، فلما رأت أن أباها لا يشكيها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه زوجها وأرته آثارا بها من ضربه وقالت‏:‏ يا رسول الله، لا أنا ولا هو، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثابت فقال‏:‏ ‏"‏ما لك ولأهلك‏؟‏ ‏"‏ فقال‏:‏ والذي بعثك بالحق نبيا ما على وجه الأرض أحب إلي منها غيرك، فقال لها‏:‏ ما تقولين‏؟‏ فكرهت أن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألها فقالت‏:‏ صدق يا رسول الله ولكن قد خشيت أن يهلكني فأخرجني منه، وقالت‏:‏ يا رسول الله ما كنت لأحدثك حديثا ينزل الله عليك خلافه، هو من أكرم الناس محبة لزوجته، ولكني أبغضه فلا أنا ولا هو، قال ثابت‏:‏ قد أعطيتها حديقة فلتردها علي وأخلي سبيلها فقال لها‏:‏ ‏"‏تردين عليه حديقته وتملكين أمرك‏"‏‏؟‏ قالت‏:‏ نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يا ثابت خذ

منها ما أعطيتها وخل سبيلها‏"‏ ففعل‏.‏

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا زاهر بن جميل أخبرنا عبد الوهاب الثقفي أنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ يا رسول الله إن ثابت ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر بعد الإسلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏أتردين عليه حديقته‏"‏‏؟‏ قالت‏:‏ نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏اقبل الحديقة وطلقها تطليقة‏"‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلا أَنْ يَخَافَا‏}‏ أي يعلما ‏{‏أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّه‏}‏ قرأ أبو جعفر وحمزة ويعقوب ‏{‏إِلا أَنْ يَخَافَا‏}‏ بضم الياء أي يعلم ذلك منهما، يعني‏:‏ يعلم القاضي والولي ذلك من الزوجين، بدليل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ خِفْتُمْ‏}‏ فجعل الخوف لغير الزوجين، ولم يقل فإن خافا، وقرأ الآخرون ‏{‏يَخَافَا‏}‏ بفتح الياء أي يعلم الزوجان من أنفسهما ‏{‏أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّه‏}‏ تخاف المرأة أن تعصي الله في أمر زوجها، ويخاف الزوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي عليها، فنهى الله الرجل أن يأخذ من امرأته شيئا مما آتاها، إلا أن يكون النشوز من قبلها، فقالت‏:‏ لا أطيع لك أمرا ولا أطالك مضجعا ونحو ذلك‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ‏}‏ أي فيما افتدت به المرأة نفسها منه، قال الفراء‏:‏ أراد بقوله ‏{‏عَلَيْهِمَا‏}‏ الزوج دون المرأة، فذكرهما جميعا لاقترانهما كقوله تعالى ‏"‏نسيا حوتهما‏"‏ ‏(‏61- الكهف‏)‏، وإنما الناسي فتى موسى دون موسى وقيل‏:‏ أراد أنه لا جناح عليهما جميعا، لا جناح على المرأة في النشوز إذا خشيت الهلاك والمعصية، ولا فيما افتدت به وأعطت به المال، لأنها ممنوعة من إتلاف المال بغير الحق، ولا على الزوج فيما أخذ منها من المال إذا أعطته طائعة، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الخلع جائز على أكثر مما أعطاها وقال الزهري‏:‏ لا يجوز بأكثر مما أعطاها من المهر‏.‏

وقال سعيد بن المسيب‏:‏ لا يأخذ منها جميع ما أعطاها بل يترك منه شيئا، ويجوز الخلع على غير حال النشوز غير أنه يكره لما فيه من قطع الوصلة بلا سبب‏.‏

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري أنا عبد الله بن محمد بن شيبة أنا أحمد بن جعفر المستملي أنا أبو محمد يحيى بن إسحاق بن شاكر بن أحمد بن خباب أنا عيسى بن يونس أنا عبد الله بن الوليد الوصافي عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن من أبغض الحلال إلى الله الطلاق‏"‏ أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرني ابن فنجويه أنا ابن أبي أنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة أنا أبي أنا أسامة عن حماد بن زيد عن أبي أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة‏"‏‏.‏

وقال طاووس‏:‏ الخلع يختص بحالة خوف النشوز لظاهر الآية، والآية حرجت على وفق العادة أن الخلع لا يكون إلا في حال خوف النشوز غالبا، وإذا طلق الرجل امرأته بلفظ الطلاق على مال فقلبت وقعت البينونة وانتقص به العدد‏.‏

واختلف أهل العلم في الخلع فذهب أكثرهم إلى أنه تطليقة بائنة ينتقص به عدد الطلاق، وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والحسن والشعبي والنخعي، وإليه ذهب مالك والثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي وهو أظهر قولي الشافعي، وذهب قوم إلى أنه فسخ لا ينتقص به عدد الطلاق وهو قول عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، وبه قال عكرمة وطاووس وإليه ذهب أحمد وإسحاق، واحتجوا بأن الله تعالى ذكر الطلاق مرتين ثم ذكر بعده الخلع، ثم ذكر بعده الطلقة الثالثة فقال، ‏{‏فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ‏}‏ ولو كان الخلع طلاقا لكان الطلاق أربعا، ومن قال بالأول جعل الطلقة الثالثة‏:‏ ‏{‏أو تسريح بإحسان‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ‏}‏ أي هذه أوامر الله ونواهيه، وحدود الله، ما منع الشرع من المجاوزة عنه ‏{‏فَلا تَعْتَدُوهَا‏}‏ فلا تجاوزوها ‏{‏وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ طَلَّقَهَا‏}‏ يعني الطلقة الثالثة ‏{‏فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ‏}‏ أي من بعد الطلقة الثالثة ‏{‏حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ‏}‏ أي‏:‏ غير المطلق فيجامعها، والنكاح يتناول الوطء والعقد جميعا، نزلت في تميمة وقيل في عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك القرظي كانت تحت ابن عمها رفاعة بن وهب بن عتيك القرظي فطلقها ثلاثا‏.‏

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أخبرنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنه سمعها تقول‏:‏ جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ إني كنت عند رفاعة القرظي فطلقني فبت طلاقي، وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هدبة الثوب، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ ‏"‏أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة‏"‏ قالت نعم قال‏:‏ ‏"‏لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته‏"‏‏.‏

وروي أنها لبثت ما شاء الله ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ إن زوجي قد مسني فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم كذبت بقولك الأول فلن نصدقك في الآخر‏.‏ فلبثت حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم فأتت أبا بكر رضي الله عنه فقالت‏:‏ يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجع إلى زوجي الأول فإن زوجي الآخر قد مسني وطلقني فقال لها أبو بكر‏:‏ قد شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتيته وقال لك ما قال فلا ترجعي إليه، فلما قبض أبو بكر رضي الله عنه، أتت عمر رضي الله عنه وقالت له‏:‏ مثل ذلك فقال لها عمر رضي الله عنه‏:‏ لئن رجعت إليه لأرجمنك‏"‏‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا‏}‏ يعني فإن طلقها الزوج الثاني بعدما جامعها ‏{‏فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا‏}‏ يعني على المرأة وعلى الزوج الأول ‏{‏أَنْ يَتَرَاجَعَا‏}‏ يعني بنكاح جديد ‏{‏إِنْ ظَنَّا‏}‏ أي علما وقيل رجوا، لأن أحدا لا يعلم ما هو كائن إلا الله عز وجل ‏{‏أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ‏}‏ أي يكون بينهما الصلاح وحسن الصحبة، وقال مجاهد‏:‏ معناه إن علما أن نكاحهما على غير الدُّلْسَة، وأراد بالدلسة التحليل، وهو مذهب سفيان الثوري والأوزاعي ومالك وأحمد وإسحاق، قالوا‏:‏ إذا تزوجت المطلقة ثلاثا زوجا آخر ليحللها للزوج الأول‏:‏ فإن النكاح فاسد، وذهب جماعة إلى أنه إن لم يشرط في النكاح مع الثاني أنه يفارقها فالنكاح صحيح ويحصل به التحليل ولها صداق مثلها، غير أنه يكره إذا كان في عزمها ذلك‏.‏

أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي أخبرنا أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي أنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ أنا الحسن بن الفرج أخبرنا عمرو بن خالد الحراني عن عبيد الله بن عبد الكريم هو الجزري عن أبي واصل عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه‏:‏ ‏"‏لعن المحلل والمحلل له‏"‏ وقال نافع أتى رجل ابن عمر فقال له‏:‏ إن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فانطلق أخ له من غير مؤامرة فتزوجها ليحلها للأول فقال‏:‏ لا إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ‏"‏لعن الله المحلل والمحلل له‏"‏ ‏{‏وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏}‏ يعني يعلمون ما أمرهم الله تعالى به‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏231‏]‏

‏{‏وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏231‏)‏‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ‏}‏ الآية، نزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلق امرأته حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها، يقصد بذلك مضارتها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ‏}‏ أي أشرفن على أن يبن بانقضاء العدة، ولم يرد حقيقة انقضاء العدة، لأن العدة إذا انقضت لم يكن للزوج إمساكها، فالبلوغ هاهنا بلوغ مقاربة، وفي قوله تعالى بعد هذا ‏{‏فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ‏}‏ حقيقة انقضاء العدة، والبلوغ يتناول المعنيين، يقال‏:‏ بلغ المدينة إذا قرب منها وإذا دخلها ‏{‏فَأَمْسِكُوهُن‏}‏ أي راجعوهن ‏{‏بِمَعْرُوفٍ‏}‏ قيل المراجعة بالمعروف أن يشهد على رجعتها وأن يراجعها بالقول لا بالوطء‏.‏

‏{‏أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ‏}‏ أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيكن أملك بأنفسهن ‏{‏وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا‏}‏ أي لا تقصدوا بالرجعة المضارة بتطويل الحبس ‏{‏وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ‏}‏ أي أضر بنفسه بمخالفة أمر الله تعالى ‏{‏وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا‏}‏ قال الكلبي يعني قوله تعالى‏:‏ ‏"‏فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان‏"‏ وكل من خالف أمر الشرع فهو متخذ آيات الله هزوا، وقال أبو الدرداء هو أن الرجل كان يطلق امرأته ثم يقول‏:‏ كنت لاعبا، ويعتق ويقول‏:‏ مثل ذلك وينكح ويقول مثل ذلك‏.‏

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمرو الجوهري أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني أخبرنا علي بن حجر أخبرنا إسماعيل بن جعفر عن أبي حبيب بن أردك عن عطاء بن أبي رباح عن ابن ماهك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد‏:‏ الطلاق والنكاح والرجعة‏"‏‏.‏ ‏{‏وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ‏}‏ بالإيمان ‏{‏وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ‏}‏ يعني‏:‏ القرآن ‏{‏وَالْحِكْمَة‏}‏ يعني‏:‏ السنة، وقيل‏:‏ مواعظ القرآن ‏{‏يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏232‏]‏

‏{‏وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ‏(‏232‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ‏}‏ نزلت في جميلة بنت يسار أخت معقل بن يسار المزني، كانت تحت أبي البداح عاصم بن عدي بن عجلان فطلقها‏.‏

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أخبرنا أحمد بن أبي عمرو حدثني أبي حدثني أبراهيم عن يونس عن الحسن قال حدثني معقل بن يسار قال زوجت أختا لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها فقلت له‏:‏ زوجتك وفرشتك وأكرمتك فطلقتها ثم جئت تخطبها‏؟‏ لا والله لا تعود إليك أبدا، وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فأنزل الله تعالى ‏{‏فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ‏}‏ فقلت‏:‏ الآن أفعل يا رسول الله، قال‏:‏ فزوجتها إياه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ‏}‏ أي انقضت عدتهن ‏{‏فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ‏}‏ أي لا تمنعوهن عن النكاح، والعضل‏:‏ المنع، وأصله الضيق والشدة، يقال‏:‏ عضلت المرأة إذا نشب ولدها في بطنها فضاق عليه الخروج، والداء العضال الذي لا يطاق، وفي الآية دليل على أن المرأة لا تلي عقد النكاح إذ لو كانت تملك ذلك لم يكن هناك عضل ولا لنهي الولي عن العضل معنى، وقيل الآية خطاب مع الأزواج لمنعهم من الإضرار لأن ابتداء الآية خطاب معهم، والأول أصح‏.‏

‏{‏إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ‏}‏ بعقد حلال ومهر جائز ‏{‏ذَلِك‏}‏ أي ذلك الذي ذكر من النهي ‏{‏يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ‏}‏ وإنما قال ذلك موحدا، والخطاب للأولياء لأن الأصل في مخاطبة الجمع‏:‏ ذلكم، ثم كثر حتى توهموا أن الكاف من نفس الحرف وليس بكاف خطاب فقالوا ذلك، فإذا قالوا هذا كانت الكاف موحدة منصوبة في الاثنين والجمع والمؤنث والمذكر قيل هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فلذلك وحد ثم رجع إلى خطاب المؤمنين فقال ‏{‏ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ‏}‏ أي خير لكم ‏{‏وَأَطْهَر‏}‏ لقلوبكم من الريبة وذلك أنه إذا كان في نفس كل واحد منهما علاقة حب لم يؤمن أن يتجاوز ذلك إلى غير ما أحل الله لهما، ولم يؤمن من الأولياء أن يسبق إلى قلوبهم منهما ما لعلهما أن يكونا بريئين من ذلك فيأثمون ‏{‏وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏}‏ أي يعلم من حب كل واحد منهما لصاحبه ما لا تعلمون أنتم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏233‏]‏

‏{‏وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏233‏)‏‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ‏}‏ يعني‏:‏ المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن يرضعن، خبر بمعنى الأمر، وهو أمر استحباب لا أمر إيجاب، لأنه لا يجب عليهن الإرضاع إذا كان يوجد من ترضع الولد لقوله تعالى في سورة الطلاق‏:‏ ‏"‏فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن‏"‏ ‏(‏- الطلاق‏)‏ فإن رغبت الأم في الإرضاع فهي أولى من غيرها ‏{‏حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ‏}‏ أي سنتين، وذكر الكمال للتأكيد كقوله تعالى‏:‏ ‏"‏تلك عشرة كاملة‏"‏ ‏(‏196- البقرة‏)‏ وقيل إنما قال كاملين لأن العرب قد تسمي بعض الحول حولا وبعض الشهر شهرا كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏الحج أشهر معلومات‏}‏ ‏(‏197- البقرة‏)‏، وإنما هو شهران وبعض الثالث وقال‏:‏ ‏{‏فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه‏}‏ ‏(‏203- البقرة‏)‏، وإنما يتعجل في يوم وبعض يوم، ويقال أقام فلان بموضع كذا حولين وإنما أقام به حولا وبعض آخر، فبين الله تعالى أنهما حولان كاملان، أربعة وعشرون شهرا، واختلف أهل العلم في هذا الحد، فمنهم من قال هو حد لبعض المولودين، فروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها إذا وضعت لستة أشهر فإنها ترضعه حولين كاملين، وإن وضعته لسبعة أشهر فإنها ترضعه ثلاثة وعشرين شهرا، وإن وضعت لتسعة اشهر فإنها ترضعه أحدا وعشرين شهرا، وإن وضعت لعشرة أشهر فإنها ترضعه عشرين شهرا، كل ذلك تمام ثلاثين شهرا لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وحمله وفصاله ثلاثون شهرا‏}‏ ‏(‏15- الأحقاف‏)‏‏.‏

وقال قوم‏:‏ هو حد لكل مولود بأي وقت ولد لا ينقص رضاعه عن حولين إلا باتفاق الأبوين فأيهما أراد الفطام قبل تمام الحولين ليس له ذلك إلا أن يجتمعا عليه لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ‏}‏ وهذا قول ابن جريج والثوري ورواية الوالبي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقيل‏:‏ المراد من الآية‏:‏ بيان أن الرضاع الذي تثبت به الحرمة ما يكون في الحولين، فلا يحرم ما يكون بعد الحولين، قال قتادة‏:‏ فرض الله على الوالدات إرضاع حولين كاملين ثم أنزل التخفيف فقال‏:‏ ‏{‏لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ‏}‏ أي هذا منتهى الرضاعة وليس فيها دون ذلك حد محدود وإنما هو على مقدار صلاح الصبي وما يعيش به ‏{‏وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ‏}‏ يعني الأب ‏{‏رِزْقُهُن‏}‏ طعامهن ‏{‏وَكِسْوَتُهُن‏}‏ لباسهن ‏{‏بِالْمَعْرُوفِ‏}‏ أي على قدر الميسرة ‏{‏لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا‏}‏ أي طاقتها ‏{‏لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا‏}‏ قرأ ابن كثير

وأهل البصرة برفع الراء نسقا على قوله ‏{‏لا تُكَلَّفُ‏}‏ وأصله تضارر فأدغمت الراء في الراء، وقرأ الآخرون تضار بنصب الراء، وقالوا‏:‏ لما أدغمت الراء في الراء حركت إلى أخف الحركات وهو النصب ومعنى الآية ‏{‏لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا‏}‏ فينزع الولد منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه ‏{‏وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ‏}‏ أي لا تلقيه المرأة إلى أبيه بعدما ألفها، تضاره بذلك، وقيل معناه ‏{‏لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ‏}‏ فتكره على إرضاعه إذا كرهت إرضاعه، وقبل الصبي من غيرها، لأن ذلك ليس بواجب عليها ‏{‏وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ‏}‏ فيحتمل أن تعطى الأم أكثر مما يجب لها إذا لم يرتضع من غيرها‏.‏

فعلى هذين القولين أصل الكلمة لا تضارر بفتح الراء الأولى على الفعل المجهول، والوالدة والمولود له مفعولان، ويحتمل أن يكون الفعل لهما وتكون تضار بمعنى تضارر بكسر الراء الأولى على تسمية الفاعل والمعنى ‏{‏لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ‏}‏ فتأبى أن ترضع ولدها ليشق على أبيه ‏{‏وَلا مَوْلُودٌ لَهُ‏}‏ أي لا يضار الأب أم الصبي، فينزعه منها ويمنعها من إرضاعه، وعلى هذه الأقوال يرجع الإضرار إلى الوالدين يضار كل واحد منهما صاحبه بسبب الولد، ويجوز أن يكون الضرار راجعا إلى الصبي، أي لا يضار كل واحد منهما الصبي، فلا ترضعه الأم حتى يموت أو لا ينفق الأب أو ينتزعه من الأم حتى يضر بالصبي، فعلى هذا تكون الباء زائدة ومعناه ‏{‏لا تضار والدة بولدها‏}‏ ولا أب بولده وكل هذه الأقاويل مروية عن المفسرين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ‏}‏ اختلفوا في هذا الوارث، فقال قوم‏:‏ هو وارث الصبي، معناه‏:‏ وعلى وارث الصبي الذي لو مات الصبي وله مال ورثه مثل الذي كان على أبيه في حال حياته، ثم اختلفوا في أي وارث هو من ورثته فقال بعضهم‏:‏ هو عصبة الصبي من الرجال مثل‏:‏ الجد والأخ وابن الأخ والعم وابن العم، وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وبه قال إبراهيم والحسن ومجاهد وعطاء وهو مذهب سفيان قالوا‏:‏ إذا لم يكن للصبي ما ينفق عليه أجبرت عصبته الذين يرثونه على أن يسترضعوه، وقيل‏:‏ هو وارث الصبي من كان من الرجال والنساء‏:‏ وهو قول قتادة وابن أبي ليلى ومذهب أحمد وإسحاق وقالوا‏:‏ يجبر على نفقته كل وارث على قدر ميراثه عصبة كانوا أو غيرهم‏.‏

وقال بعضهم هو من كان ذا رحم محرم من ورثة المولود، فمن ليس بمحرم مثل ابن العم والمولى فغير مراد بالآية، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، وذهب جماعة إلى أن المراد بالوارث هو الصبي نفسه، الذي هو وارث أبيه المتوفى تكون أجرة رضاعه ونفقته في ماله، فإن لم يكن له مال فعلى الأم، ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الوالدان، وهو قول مالك والشافعي رحمهما الله، وقيل هو الباقي من والدي المولود بعد وفاة الآخر عليه مثل ما كان على الأب من أجرة الرضاع والنفقة والكسوة‏.‏

وقيل‏:‏ ليس المراد منه النفقة، بل معناه وعلى الوارث ترك المضارة، وبه قال الشعبي والزهري ‏{‏فَإِنْ أَرَادَا‏}‏ يعني الوالدين ‏{‏فِصَالا‏}‏ فطاما قبل الحولين ‏{‏عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا‏}‏ أي اتفاق الوالدين

‏{‏وَتَشَاوُر‏}‏ أي يشاورون أهل العلم به حتى يخبروا أن الفطام في ذلك الوقت لا يضر بالولد، والمشاورة استخراج الرأي ‏{‏فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا‏}‏ أي لا حرج عليهما في الفطام قبل الحولين ‏{‏وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ‏}‏ أي لأولادكم مراضع غير أمهاتهم إذا أبت أمهاتهم يرضعنهم أو تعذر لعلة بهن، أي‏:‏ انقطاع لبن أو أردن النكاح ‏{‏فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم‏}‏ إلى أمهاتهم ‏{‏مَا آتَيْتُمْ‏}‏ ما سميتم لهن من أجرة الرضاع بقدر ما أرضعن، وقيل إذا سلمتم أجور المراضع إليهن بالمعروف، قرأ ابن كثير ‏{‏مَا آتَيْتُمْ‏}‏ وفي الروم ‏"‏وما آتيتم من ربا‏"‏ ‏(‏39- الروم‏)‏ بقصر الألف ومعناه ما فعلتم يقال‏:‏ أتيت جميلا إذا فعلته، فعلى هذه القراءة يكون التسليم بمعنى الطاعة والانقياد لا بمعنى تسليم الأجرة يعني إذا سلمتم لأمره وانقدتم لحكمه، وقيل إذا سلمتم للاسترضاع عن تراض واتفاق دون الضرار ‏{‏وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏234‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ‏(‏234‏)‏‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ‏}‏ أي يموتون وتتوفى آجالهم، وتوفى واستوفى بمعنى واحد، ومعنى التوفي أخذ الشيء وافيا ‏{‏وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا‏}‏ يتركون أزواجا ‏{‏يَتَرَبَّصْن‏}‏ ينتظرن ‏{‏بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا‏}‏ أي يعتددن بترك الزينة والطيب والنقلة على فراق أزواجهن هذه المدة إلا أن يكن حوامل فعدتهن بوضع الحمل، وكانت عدة الوفاة في الابتداء حولا كاملا لقوله تعالى‏:‏ ‏"‏والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج‏"‏ ‏(‏240- البقرة‏)‏ ثم نسخت بأربعة أشهر وعشرا‏.‏

وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد‏:‏ كانت هذه العدة يعني أربعة أشهر وعشرا واجبة عند أهل زوجها فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ‏}‏ فجعل لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت وهو قول الله عز وجل‏:‏ ‏"‏غير إخراج، فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن‏"‏ ‏(‏240- البقرة‏)‏ فالعدة كما هي واجبة عليها‏.‏

وقال‏:‏ عطاء قال‏:‏ ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ نسخت هذه الآية عدتها عند أهله وسكنت في وصيتها وإن شاء خرجت، قال عطاء‏:‏ ثم جاء الميراث فنسخ السكنى فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لها ويجب عليها الإحداد في عدة الوفاة، وهي أن تمتنع من الزينة والطيب فلا يجوز لها تدهين رأسها بأي دهن سواء كان فيه طيب أو لم يكن، ولها تدهين جسدها بدهن لا طيب فيه، فإن كان فيه طيب فلا يجوز، ولا يجوز لها أن تكتحل بكحل فيه طيب أو فيه زينة كالكحل الأسود ولا بأس بالكحل الفارسي

الذي لا زينة فيه فإن اضطرت إلى كحل فيه زينة فرخص فيه كثير من أهل العلم منهم سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار وعطاء والنخعي وبه قال مالك وأصحاب الرأي، وقال الشافعي رحمه الله‏:‏ تكتحل به ليلا وتمسحه بالنهار‏.‏

قالت أم سلمة‏:‏ دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت علي صبرا فقال ‏"‏إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار‏"‏‏.‏

ولا يجوز لها الخضاب ولا لبس الوشي والديباج والحلي ويجوز لها لبس البيض من الثياب ولبس الصوف والوبر، ولا تلبس الثوب المصبوغ للزينة كالأحمر والأخضر الناضر والأصفر، ويجوز ما صبغ لغير زينة كالسواد والكحلي وقال سفيان‏:‏ لا تلبس المصبوغ بحال‏.‏

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر محمد بن عمر بن حزم عن حميد بن نافع عن زينب بنت أبي سلمة أنها أخبرته بهذه الأحاديث الثلاثة قالت زينب‏:‏ دخلت على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة، خلوق أو غيره، فدهنت به جارية ثم مست به بطنها ثم قالت‏:‏ والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر ‏"‏لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا‏"‏‏.‏

وقالت زينب‏:‏ ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها عبد الله فدعت بطيب فمست به ثم قالت‏:‏ والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر ‏"‏لا يحل لامرأة أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة اشهر وعشرا‏"‏ قالت زينب‏:‏ وسمعت أمي أم سلمة تقول‏:‏

جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا‏"‏، ثم قال‏:‏ ‏"‏إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول‏"‏ قال حميد‏:‏ فقلت لزينب‏:‏ وما ترمي بالبعرة على رأس الحول‏؟‏ فقالت زينب‏:‏ كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا أي بيتا صغيرا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتي بدابة، حمار أو شاة أو طيرا فتفتض به، أي تمسح فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطي بعرة فترمي بها، ثم تراجع بعد ذلك ما شاءت من طيب أو غيره، وقال مالك‏:‏ تفتض أي تمسح جلدها‏.‏

وقال سعيد بن المسيب‏:‏ الحكمة في هذه المدة أن فيها ينفخ الروح في الولد، ويقال إن الولد يرتكض أي يتحرك في البطن لنصف مدة الحمل أربعة أشهر وعشرا قريبا من نصف مدة الحمل، وإنما قال عشرا بلفظ المؤنث لأنه أراد الليالي لأن العرب إذا أبهمت العدد بين الليالي والأيام غلبت عليها الليالي فيقولون صمنا عشرا والصوم لا يكون إلا بالنهار‏.‏

وقال المبرد‏:‏ إنما أنث العشر لأنه أراد المدد أي عشر مدد كل مدة يوم وليلة، وإذا كان المتوفى عنها زوجها حاملا فعدتها بوضع الحمل عند أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم وروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهم أنها تنتظر آخر الأجلين من وضع الحمل أو أربعة أشهر وعشرا، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه‏:‏ أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى أراد بالقصرى سورة الطلاق ‏"‏وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ‏(‏4- الطلاق‏)‏ نزلت بعد قوله تعالى ‏"‏يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا‏"‏ في سورة البقرة فحمله على النسخ، وعامة الفقهاء خصوا الآية بحديث سبيعة وهو ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن المسور بن مخرمة أن سبيعة نفست بعد وفاة زوجها بليال فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنته أن تنكح فأذن لها فنكحت‏.‏

قوله تعالى ‏{‏فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ‏}‏ أي انقضت عدتهن ‏{‏فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ‏}‏ خطاب للأولياء ‏{‏فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ‏}‏ أي من اختيار الأزواج دون العقد فإن العقد إلى الولي، وقيل فيما فعلن من التزين للرجال زينة لا ينكرها الشرع ‏{‏بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ‏}‏ والإحداد واجب على المرأة في عدة الوفاة، أما المعتدة عن الطلاق نُظِر فإن كانت رجعية فلا إحداد عليها في العدة لأن لها أن تضع ما يشوق قلب الزوج إليها ليراجعها، وفي البائنة بالخلع والطلقات الثلاثة قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ عليها الإحداد كالمتوفى عنها زوجها، وهو قول سعيد بن المسيب، وبه قال أبو حنيفة، والثاني‏:‏ لا إحداد عليها وهو قول عطاء، وبه قال مالك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏235‏]‏

‏{‏وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ‏(‏235‏)‏‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ‏}‏ أي النساء المعتدات وأصل التعريض هو التلويح بالشيء، والتعريض في الكلام ما يفهم به السامع مراده من غير تصريح والتعريض بالخطبة مباح في العدة وهو أن يقول‏:‏ رب راغب فيك، من يجد مثلك، إنك لجميلة، وإنك لصالحة، وإنك علي لكريمة، وإني فيك لراغب، وإني من غرضي أن أتزوج وإن جمع الله بيني وبينك بالحلال أعجبني ولئن تزوجتك لأحسنن إليك، ونحو ذلك من الكلام من غير أن يقول أنكحيني والمرأة تجيبه بمثله إن رغبت فيه، وقال إبراهيم‏:‏ لا بأس أن يهدي لها ويقوم بشغلها في العدة إذا كانت من شأنه‏.‏

روي أن سكينة بنت حنظلة بانت من زوجها فدخل عليها أبو جعفر محمد بن علي الباقر في عدتها وقال‏:‏ يا بنت حنظلة أنا من قد علمت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق جدي علي وقدمي في الإسلام فقالت سكينة أتخطبني وأنا في العدة وأنت يؤخذ العلم عنك‏؟‏ فقال‏:‏ إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وهي في عدة زوجها أبي سلمة فذكر لها منزلته من الله عز وجل وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده من شدة تحامله على يده‏.‏

والتعريض بالخطبة جائز في عدة الوفاة، أما المعتدة عن فرقة الحياة نظر‏:‏ إن كانت ممن لا يحل لمن بانت منه نكاحها كالمطلقة ثلاثا والمبانة باللعان والرضاع‏:‏ يجوز خطبتها تعريضا وإن كانت ممن للزوج نكاحها كالمختلعة والمفسوخ نكاحها يجوز لزوجها خطبتها تعريضا وتصريحا‏.‏

وهل يجوز للغير تعريضا‏؟‏ فيه قولان‏:‏ أحدهما يجوز كالمطلقة ثلاثا، والثاني لا يجوز لأن المعاودة لصاحب العدة كالرجعية لا يجوز للغير تعريضها بالخطبة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ‏}‏ الخطبة التماس النكاح وهي مصدر خطب الرجل المرأة يخطب خطبة، وقال الأخفش‏:‏ الخطبة الذكر، والخطبة التشهد فيكون معناه‏:‏ فيما عرضتم به من ذكر النساء عندهن، ‏{‏أَوْ أَكْنَنْتُمْ‏}‏ أضمرتم ‏{‏فِي أَنْفُسِكُمْ‏}‏ نكاحهن يقال‏:‏ أكننت الشيء وكننته لغتان، وقال ثعلب‏:‏ أكننت الشيء أي أخفيته في نفسي وكننته سترته، وقال السدي‏:‏ هو أن يدخل فيسلم ويهدي إن شاء ولا يتكلم بشيء ‏{‏عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ‏}‏ بقلوبكم ‏{‏وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا‏}‏ اختلفوا في السر المنهي عنه فقال قوم‏:‏ هو الزنا كان الرجل يدخل على المرأة من أجل الزّنية وهو يتعرض بالنكاح ويقول لها‏:‏ دعيني فإذا أوفيت عدتك أظهرت نكاحك، هذا قول الحسن وقتادة وإبراهيم وعطاء ورواية عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال زيد بن أسلم‏:‏ أي لا ينكحها سرا فيمسكها فإذا حلت أظهر ذلك‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ هو قول الرجل لا تفوتيني بنفسك فإني ناكحك، وقال الشعبي والسدي لا يأخذ ميثاقها أن لا تنكح غيره، وقال عكرمة‏:‏ لا ينكحها ولا يخطبها في العدة‏.‏

قال الشافعي‏:‏ السر هو الجماع، وقال الكلبي‏:‏ أي لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع فيقول آتيك الأربعة والخمسة وأشباه ذلك، ويذكر السر ويراد به الجماع قال امرئ القيس‏:‏

ألا زعمت بسباسة القوم أنني *** كبرت وألا يحسن السر أمثالي

إنما قيل للزنا والجماع سر لأنه يكون في خفاء بين الرجل والمرأة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا‏}‏ ما ذكرنا من التعريض بالخطبة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ‏}‏ أي لا تحققوا العزم على عقدة النكاح في العدة حتى يبلغ الكتاب أجله أي‏:‏ حتى تنقضي العدة وسماها الله كتابا لأنها فرض من الله كقوله تعالى‏:‏ ‏"‏كتب عليكم‏"‏ أي فرض عليكم ‏{‏وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ‏}‏ أي فخافوا الله ‏{‏وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ‏}‏ لا يعجل بالعقوبة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏236‏]‏

‏{‏لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ‏(‏236‏)‏‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً‏}‏ أي ولم تمسوهن ولم تفرضوا، نزلت في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسم لها مهرا ثم طلقها قبل أن يمسها فنزلت هذه الآية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏متعها ولو بقلنسوتك‏"‏ قرأ حمزة والكسائي ‏"‏ ما لم تماسوهن ‏"‏ بالألف هاهنا وفي الأحزاب على المفاعلة لأن بدن كل واحد منهما يلاقي بدن صاحبه كما قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏من قبل أن يتماسا‏"‏ ‏(‏3- المجادلة‏)‏ وقرأ الباقون ‏{‏تَمَسُّوهُن‏}‏ بلا ألف لأن الغشيان يكون من فعل الرجل دليله قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ولم يمسسني بشر‏"‏ ‏(‏47- آل عمران‏)‏‏.‏

قوله تعالى ‏{‏أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً‏}‏ أي توجبوا لهن صداقا فإن قيل فما الوجه في نفي الجناح عن المطلق قيل‏:‏ الطلاق قطع سبب الوصلة وجاء في الحديث ‏"‏أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق‏"‏‏.‏

فنفى الجناح عنه إذا كان الفراق أروح من الإمساك، وقيل معناه لا سبيل للنساء عليكم إن طلقتموهن من قبل المسيس والفرض بصداق ولا نفقة، وقيل‏:‏ لا جناح عليكم في تطليقهن قبل المسيس في أي وقت شئتم حائضا كانت المرأة أو طاهرا لأنه لا سنة ولا بدعة في طلاقهن قبل الدخول بها بخلاف المدخول بها فإنه لا يجوز تطليقها في حال الحيض ‏{‏وَمَتِّعُوهُنَّ‏}‏ أي أعطوهن من مالكم ما يتمتعن به والمتعة والمتاع ما يتبلغ به من الزاد ‏{‏عَلَى الْمُوسِعِ‏}‏ أي على الغني ‏{‏قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ‏}‏ أي الفقير ‏{‏قَدَرُه‏}‏ أي إمكانه وطاقته قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص قدره بفتح الدال فيهما وقرأ الآخرون بسكونهما وهما لغتان وقيل‏:‏ القدر بسكون الدال المصدر وبالفتح الاسم، متاعا‏:‏ نصب على المصدر أي متعوهن ‏{‏مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ‏}‏ أي بما أمركم الله به من غير ظلم ‏{‏حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ‏}‏ وبيان حكم الآية أن من تزوج امرأة ولم يفرض لها مهرا ثم طلقها قبل المسيس تجب لها المتعة بالاتفاق وإن طلقها بعد الفرض قبل المسيس فلا متعة لها على قول الأكثرين ولها نصف المهر المفروض‏.‏

واختلفوا في المطلقة بعد الدخول بها فذهب جماعة إلى أنه لا متعة لها لأنها تستحق المهر وهو قول أصحاب الرأي وذهب جماعة إلى أنها تستحق المتعة لقوله تعالى ‏"‏وللمطلقات متاع بالمعروف‏"‏ ‏(‏241- البقرة‏)‏ وهو قول عبد الله بن عمر وبه قال عطاء ومجاهد والقاسم بن محمد وإليه ذهب الشافعي لأن استحقاقها المهر بمقابلة ما أتلف عليها من منفعة البضع فلها المتعة على وحشة الفراق، فعلى القول الأول لا متعة إلا لواحدة وهي المطلقة قبل الفرض والمسيس، وعلى القول الثاني لكل مطلقة متعة إلا لواحدة وهي المطلقة بعد الفرض قبل المسيس، وقال عبد الله بن عمر‏:‏ لكل مطلقة متعة إلا التي فرض لها ولم يمسها زوجها فحسبها نصف المهر‏.‏

قال الزهري‏:‏ متعتان يقضي بإحداهما السلطان ولا يقضي بالأخرى بل تلزمه فيما بينه وبين الله تعالى‏.‏

فأما التي يقضي بها السلطان فهي المطلقة قبل الفرض والمسيس وهو قوله تعالى ‏{‏حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ‏}‏ والتي تلزمه فيما بينه وبين الله تعالى ولا يقضي بها السلطان فهي المطلقة بعد المسيس وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ‏}‏‏.‏

وذهب الحسن وسعيد بن جبير إلى أن لكل مطلقة متعة سواء كان قبل الفرض والمسيس أو بعد الفرض قبل المسيس لقوله تعالى‏:‏ ‏"‏وللمطلقات متاع بالمعروف‏"‏ ‏(‏241- البقرة‏)‏ ولقوله تعالى في سورة الأحزاب‏:‏ ‏"‏فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا‏"‏ ‏(‏49- الأحزاب‏)‏ وقالا معنى قوله تعالى ‏{‏لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً‏}‏ أي أو لم تفرضوا لهن فريضة، وقال بعضهم‏:‏ المتعة غير واجبة والأمر بها أمر ندب واستحباب‏.‏

وروي أن رجلا طلق امرأته وقد دخل بها فخاصمته إلى شريح في المتعة فقال شريح‏:‏ لا تأب أن تكون من المحسنين ولا تأب أن تكون من المتقين ولم يجبره على ذلك‏.‏

واختلفوا في قدر المتعة فروي عن ابن عباس‏:‏ أعلاها خادم وأوسطها ثلاثة أثواب، درع وخمار وإزار، ودون ذلك وقاية أو شيء من الورق وبه قال الشعبي والزهري وهذا مذهب الشافعي، وقال‏:‏ أعلاها على الموسع خادم وأوسطها ثوب وأقلها أقل ما له ثمن، وحسن ثلاثون درهما، وطلق عبد الرحمن بن عوف امرأته وحممها جارية سوداء أي متعها ومتع الحسن بن علي رضي الله عنه امرأة له بعشرة آلاف درهم فقالت‏:‏ ‏"‏متاع قليل من حبيب مفارق‏"‏‏.‏

وقال أبو حنيفة رحمه الله‏:‏ مبلغها إذا اختلف الزوجان قدر نصف مهر مثلها لا يجاوز والآية تدل على أنه يعتبر حال الزوج في العسر واليسر، ومن حكم الآية‏:‏ أن من تزوج امرأة بالغة برضاها على غير مهر يصح النكاح، وللمرأة مطالبته بأن يفرض لها صداقا، فإن دخل بها قبل الفرض فلها عليه مهر مثلها وإن طلقها قبل الفرض والدخول فلها المتعة، وإن مات أحدهما قبل الفرض والدخول اختلف أهل العلم في أنها هل تستحق المهر أم لا‏؟‏ فذهب جماعة إلى أنه لا مهر لها وهو قول علي وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس كما لو طلقها قبل الفرض والدخول وذهب قوم إلى أن لها المهر لأن الموت كالدخول في تقرير المسمى كذلك في إيجاب مهر المثل إذا لم يكن في العقد مسمى وهو قول الثوري وأصحاب الرأي واحتجوا بما روي عن علقمة عن ابن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل بها حتى مات فقال ابن مسعود‏:‏ لها صداق نسائها ولا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال‏:‏ قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق امرأة منا مثل ما قضيت ففرح بها ابن مسعود رضي الله عنه‏.‏

وقال الشافعي رحمه الله‏:‏ فإن ثبت حديث بروع بنت واشق فلا حجة في قول أحد دون قول النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يثبت فلا مهر لها ولها الميراث، وكان علي يقول‏:‏ في حديث بروع لا يقبل قول أعرابي من أشجع على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏237‏]‏

‏{‏وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏237‏)‏‏}‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ‏}‏ هذا في المطلقة بعد الفرض قبل المسيس فلها نصف المفروض، وإن مات أحدهما قبل المسيس فلها كمال المهر المفروض، والمراد بالمس المذكور في الآية‏:‏ الجماع، واختلف أهل العلم فيما لو خلا الرجل بامرأته ثم طلقها قبل أن يدخل بها فذهب قوم إلى أنه لا يجب لها إلا نصف الصداق، ولا عدة عليها لأن الله تعالى أوجب بالطلاق قبل المسيس نصف المهر، ولم يوجب العدة، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه وابن مسعود وبه قال الشافعي رحمه الله‏.‏

وقال قوم‏:‏ يجب لها كمال المهر، وعليها العدة، لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال‏:‏ إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق، ومثله عن زيد بن ثابت، وحمل بعضهم قول عمر على وجوب تسليم الصداق إليها إذا سلمت نفسها لا على تقدير الصداق، وقيل هذه الآية ناسخة للآية التي في سورة الأحزاب ‏"‏فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن‏"‏ ‏(‏49- الأحزاب‏)‏ فقد كان للمطلقة قبل المسيس متاع فنسخت بهذه الآية، وأوجب للمطلقة المفروض لها قبل المسيس نصف المفروض ولا متاع لها‏.‏

وقوله تعالى ‏{‏وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً‏}‏ أي سميتم لهن مهرا ‏{‏فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ‏}‏ أي لها نصف المهر المسمى ‏{‏إِلا أَنْ يَعْفُونَ‏}‏ يعني النساء أي إلا أن تترك المرأة نصيبها فيعود جميع الصداق إلى الزوج‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ‏}‏ اختلفوا فيه‏:‏ فذهب بعضهم إلى أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، وبه قال ابن عباس رضي الله عنه، معناه‏:‏ إلا أن تعفو المرأة بترك نصيبها إلى الزوج إن كانت ثيبا من أهل العفو، أو يعفو وليها فيترك نصيبها إن كانت المرأة بكرا أو غير جائزة الأمر فيجوز عفو وليها وهو قول علقمة وعطاء والحسن والزهري وربيعة، وذهب بعضهم إلى أنه إنما يجوز عفو الولي إذا كانت المرأة بكرا فإن كانت ثيبا فلا يجوز عفو وليها، وقال بعضهم‏:‏ الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، وهو قول علي، وبه قال سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والشعبي وشريح ومجاهد وقتادة، وقالوا‏:‏ لا يجوز لوليها ترك الشيء من الصداق، بكرا كانت أو ثيبا كما لا يجوز له ذلك قبل الطلاق بالاتفاق وكما لا يجوز له أن يهب شيئا من مالها، وقالوا‏:‏ معنى الآية إلا أن تعفو المرأة بترك نصيبها فيعود جميع الصداق إلى الزوج أو يعفو الزوج بترك نصيبه فيكون لها جميع الصداق، فعلى هذا التأويل وجه الآية‏:‏ الذي بيده عقدة النكاح نكاح نفسه في كل حال قبل الطلاق أو بعده ‏{‏وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى‏}‏ موضعه رفع الابتداء أي فالعفو أقرب للتقوى، أي إلى التقوى، والخطاب للرجال والنساء جميعا لأن المذكر والمؤنث إذا اجتمعا كانت الغلبة للمذكر معناه‏:‏ وعفو بعضكم عن بعض أقرب للتقوى ‏{‏وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ‏}‏ أي إفضال بعضكم على بعض بإعطاء الرجل تمام الصداق أو ترك المرأة نصيبها، حثهما جميعا على الإحسان ‏{‏إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏238- 239‏]‏

‏{‏حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ‏(‏238‏)‏ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ‏(‏239‏)‏‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى‏}‏ أي واظبوا وداوموا على الصلوات المكتوبات بمواقيتها وحدودها وإتمام أركانها، ثم خص من بينها الصلاة الوسطى بالمحافظة عليها دلالة على فضلها، والوسطى تأنيث الأوسط، ووسط الشيء‏:‏ خيره وأعدله واختلف العلماء من الصحابة ومن بعدهم في الصلاة الوسطى فقال قوم‏:‏ هي صلاة الفجر، وهو قول عمر وابن عمر وابن عباس ومعاذ وجابر، وبه قال عطاء وعكرمة ومجاهد، وإليه مال مالك والشافعي، لأن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ‏}‏ والقنوت طول القيام، وصلاة الصبح مخصوصة بطول القيام وبالقنوت لأن الله تعالى خصها في آية أخرى من بين الصلوات فقال الله‏:‏ ‏"‏وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا‏"‏ ‏(‏78- الإسراء‏)‏، يعني تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، فهي مكتوبة في ديوان الليل وديوان النهار، ولأنها بين صلاتي جمع وهي لا تقصر ولا تجمع إلى غيرها‏.‏

وذهب قوم إلى أنها صلاة الظهر، وهو قول زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد، لأنها في وسط النهار وهي أوسط صلاة النهار في الطول‏.‏

أخبرنا عمر بن عبد العزيز أخبرنا أبو القاسم بن جعفر الهاشمي أنا أبو علي اللؤلؤي أنا أبو داود أنا محمد بن المثنى أنا محمد بن جعفر أنا شعبة حدثني عمرو بن أبي حكيم قال‏:‏ سمعت الزبرقان يحدث عن عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منها، فنزلت‏:‏ ‏{‏حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى‏}‏‏.‏

وذهب الأكثرون إلى أنها صلاة العصر رواه جماعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول علي وعبد الله بن مسعود وأبي أيوب وأبي هريرة وعائشة رضوان الله عليهم وبه قال إبراهيم النخعي وقتادة والحسن‏.‏

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن زيد بن أسلم عن القعقاع بن حكيم عن أبي يونس مولى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما أنه قال‏:‏ أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا وقالت‏:‏ إذا بلغت هذه الآية فآذني ‏{‏حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى‏}‏ فلما بلغتها آذنتها فأملت علي ‏{‏حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى‏}‏ ‏"‏صلاة العصر‏"‏ ‏{‏وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ‏}‏ قالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن حفصة مثل ذلك‏.‏

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أنا أبو جعفر الرياني أنا حميد بن زنجويه أخبرنا أبو نعيم أنا سفيان عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال‏:‏ قلنا لعبيدة سل عليا عن الصلاة الوسطى فسأله فقال‏:‏ كنا نرى أنها صلاة الفجر حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الخندق‏:‏ ‏"‏شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا‏"‏ ولأنها صلاتي نهار وصلاتي ليل، وقد خصها النبي صلى الله عليه وسلم بالتغليظ‏.‏

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسلم بن إبراهيم أنا هشام أنا يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي المليح قال‏:‏ كنا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم فقال‏:‏ بكروا بصلاة العصر فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله‏"‏‏.‏

وقال قبيصة بن ذؤيب‏:‏ هي صلاة المغرب لأنها وسط ليس بأقلها ولا بأكثرها، ولم ينقل عن أحد من السلف أنها صلاة العشاء وإنما ذكرها بعض المتأخرين لأنها بين صلاتين لا تقصران، وقال بعضهم هي إحدى الصلوات الخمس لا بعينها، أبهمها الله تعالى تحريضا للعباد على المحافظة على أداء جميعها كما أخفى ليلة القدر في شهر رمضان وساعة إجابة الدعوة في يوم الجمعة وأخفى الاسم الأعظم في الأسماء ليحافظوا على جميعها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ‏}‏ أي مطيعين، قال الشعبي وعطاء وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وطاووس؛ والقنوت‏:‏ الطاعة، قال الله تعالى ‏"‏أمة قانتا‏"‏ ‏(‏120- النحل‏)‏ أي مطيعا‏.‏

وقال الكلبي ومقاتل‏:‏ لكل أهل دين صلاة يقومون فيها عاصين فقوموا أنتم لله في صلاتكم مطيعين، وقيل القنوت السكوت عما لا يجوز التكلم به في الصلاة‏.‏

أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي أنا أبو عيسى الترمذي أنا أحمد بن منيع أنا هشيم أنا إسماعيل بن أبي خالد عن الحارث بن شبيل عن أبي عمرو الشيباني عن زيد بن أرقم قال‏:‏ كنا نتكلم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة يكلم الرجل منا صاحبه إلى جنبه حتى نزلت ‏{‏وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ‏}‏ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ خاشعين، وقال‏:‏ من القنوت طول الركوع وغض البصر والركود وخفض الجناح، كان العلماء إذا قام أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يلتفت أو يقلب الحصى أو يعبث بشيء أو يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا إلا ناسيا، وقيل‏:‏ المراد من القنوت طول القيام‏.‏

أخبرنا أبو عثمان الضبي أنا أبو محمد الجراحي أنا أبو العباس المحبوبي أنا أبو عيسى الترمذي أنا ابن أبي عمر أنا سفيان بن عيينة عن أبي الزبير عن جابر قال‏:‏ قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أي الصلاة أفضل‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏طول القنوت‏"‏ وقيل ‏{‏قَانِتِين‏}‏ أي داعين‏.‏

دليله ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا متتابعا يدعو على أحياء من سليم على رعل وذكوان وعصية، وقيل معناه مصلين لقوله تعالى ‏"‏أمن هو قانت آناء الليل‏"‏ ‏(‏9- الزمر‏)‏ أي مصل‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا‏}‏ ‏{‏فرجالا‏}‏ أي رجالة يقال‏:‏ راجل ورجال مثل صاحب وصحاب وقائم وقيام ونائم ونيام ‏{‏أَوْ رُكْبَانًا‏}‏ على دوابهم وهو جمع راكب، معناه إن لم يمكنكم أن تصلوا قانتين موفين للصلاة حقها لخوف فصلوا مشاة على أرجلكم أو ركبانا على ظهور دوابكم، وهذا في حال المقاتلة والمسايفة يصلي حيث كان وجهه راجلا أو راكبا مستقبل القبلة وغير مستقبلها ويومئ بالركوع والسجود ويجعل السجود أخفض من الركوع، وكذلك إذا قصده سبع أو غشيه سيل يخاف منه على نفسه فعدا أمامه مصليا بالإيماء يجوز‏.‏

والصلاة في حال الخوف على أقسام فهذه صلاة شدة الخوف وسائر الأقسام سيأتي بيانها في سورة النساء إن شاء الله تعالى، ولا ينتقص عدد الركعات بالخوف عند أكثر أهل العلم، وروى عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة وهو قول عطاء وطاووس والحسن ومجاهد وقتادة‏:‏ أنه يصلي في حال شدة الخوف ركعة، وقال سعيد بن جبير‏:‏ إذا كنت في القتال وضرب الناس بعضهم بعضا فقل ‏"‏سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر واذكر الله فتلك صلاتك‏"‏ ‏{‏فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ‏}‏ أي فصلوا الصلوات الخمس تامة بحقوقها ‏{‏كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏240‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏240‏)‏‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ‏}‏ يا معشر الرجال ‏{‏وَيَذَرُون‏}‏ أي يتركون ‏{‏أَزْوَاجًا‏}‏ أي زوجات ‏{‏وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ‏}‏ قرأ أهل البصرة وابن عامر وحمزة وحفص وصية بالنصب على معنى فليوصوا وصية، وقرأ الباقون بالرفع أي كتب عليكم الوصية ‏{‏مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ‏}‏ متاعا نصب على المصدر أي متعوهن متاعا، وقيل‏:‏ جعل الله ذلك لهن متاعا، والمتاع نفقة سنة لطعامها وكسوتها وسكنها وما تحتاج إليه ‏{‏غَيْرَ إِخْرَاجٍ‏}‏ نصب على الحال، وقيل بنزع حرف على الصفة أي من غير إخراج، نزلت هذه الآية في رجل من أهل الطائف يقال له حكيم بن الحارث هاجر إلى المدينة وله أولاد ومعه أبواه وامرأته فمات، فأنزل الله هذه الآية فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم والديه وأولاده من ميراثه ولم يعط امرأته شيئا، وأمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها حولا كاملا وكانت عدة الوفاة في ابتداء الإسلام حولا كاملا وكان يحرم على الوارث إخراجها من البيت قبل تمام الحول، وكانت نفقتها وسكناها واجبة في مال زوجها تلك السنة ما لم تخرج، ولم يكن لها الميراث، فإن خرجت من بيت زوجها سقطت نفقتها، وكان على الرجل أن يوصي بها فكان كذلك حتى نزلت آية الميراث، فنسخ الله تعالى نفقة الحول بالربع والثمن، ونسخ عدة الحول بأربعة أشهر وعشر‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ خَرَجْنَ‏}‏ يعني من قبل أنفسهن قبل الحول من غير إخراج الورثة ‏{‏فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ‏}‏ يا أولياء الميت ‏{‏فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ‏}‏ يعني التزين للنكاح، ولرفع الجناح عن الرجال وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ لا جناح عليكم في قطع النفقة إذا خرجن قبل انقضاء الحول‏.‏

والآخر‏:‏ لا جناح عليكم في ترك منعهن من الخروج لأن مقامها في بيت زوجها حولا غير واجب عليها خيرها الله تعالى بين أن تقيم حولا ولها النفقة والسكنى، وبين أن تخرج فلا نفقة ولا سكنى إلى أن نسخه بأربعة أشهر وعشر‏.‏

‏{‏وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏241- 242‏]‏

‏{‏وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ‏(‏241‏)‏ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ‏(‏242‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ‏}‏ إنما أعاد ذكر المتعة هاهنا لزيادة معنى، وذلك أن في غيرها بيان حكم غير الممسوسة، وفي هذه الآية بيان حكم جميع المطلقات في المتعة، وقيل‏:‏ إنه لما نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره‏}‏ إلى قوله ‏{‏حقا على المحسنين‏}‏ ‏(‏236- البقرة‏)‏ قال رجل من المسلمين‏:‏ إن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ‏}‏ جعل المتعة لهن بلام التمليك فقال‏:‏ ‏{‏حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ‏}‏ يعني المؤمنين المتقين الشرك‏.‏